ناصر أحمد بن غيث: ثورات العرب…ظروف تتغير وعبر تتيسر ( المقال الذي اعتقل من أجله )

في البداية أود الإشارة إلى أنني قررت وقف سلسلة المقالات التي تتناول الخطة التنموية في الإمارات العربية” إلى حين، بل وترك مجال الإقتصاد الذي عهدته،والولوج إلى دهاليز السياسة التي لا أجيد التعاطي معها، وذلك بالتحول إلى تناول الأحداث التي تمر على أمتنا وبها، بطريقة ووقع لم نعهده بل لم تعهده أمة في تاريخ البشرية المكتوب والمقروء أو المروي والمسموع. ولقد حاولت في زخم الأحداث أن أجد لي موطئ قدم أقول فيه ما أرى في هذه الأحداث لم يمسسه قبلي قلم كاتب فلم أجد، إذ أوغل كتابنا ومفكرونا وخواصنا وعوامنا في هذه الأحداث بلا رفق، محللين ومفسرين…متهمين ومبررين , لكني أود أن أعترف أنني لم أشأ أن تمر هذه الأحداث الجسام دون أن أقول كلمة لله أولاً، ثم لأولي أمرنا ثانياً، وللتاريخ ثالثا، فكما يقال: “الحكمة ضالة المسلم.. والكيس من دان نفسه..والسعيد من إعتبر بغيره والشقي من كان عبرة لغيره.. ولله الأمر من قبل ومن بعد” . ولاعتقادي أن هذا هو أوان العبرة وزمن النصيحة وليقيني أن كل ما يُعرف يجب أن يقال وأن كل ما وجب قوله قد آن أوانه وأن كل ما قد آن أوانه قد حضر أهله , لذلك فلقد كان لزاماً أن يتكلم عقلائنا كي لا يلغو غوغائنا وان يتقدم حكمائنا كي لا يسود سفهائنا.

لعله أصبح من قبيل المسلم به الذي لا يماري فيه إلا جاهل فاحش الجهل، أو أحمق ظاهر الحماقة، أو غافل كبير الغفلة أن ما تمر به الدول العربية على إختلاف أنظمة الحكم فيها سواء كانت علمانية أو تقليدية وعلى تباين الهياكل الإقتصادية لديها ما هو إلا حراك شعبي لم تشهد المنطقة له من مثيل منذ حراك الإستقلال إبان فترة الخمسينات والستينات من القرن الماضي بل قد يكون حراك لم تشهد له المنطقة مثيل على مدى تاريخها الضارب في القدم . ولا أحد ممن إعطوا من العلم شيئاً قليله أو كثيره يستطيع أن يتكهن بما يمكن أن تفضي إليه هذه الثورات الشعبية التي تتسم بأنها كأسمها (شعبية) لا لون فكري ولا رائحة أيدولوجية ولا طعم حزبي لها . وبما أنه –كما يقال- العبرة بالماَلات فإن إطلاق حكم قطعيّ فاصل فيها قد يكون من قبيل الرجم بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله , لكن لا شك أن لما يجري سبب ولما يحصل عبرة ، فإما السبب فهو أن الأنظمة العربية نسيت أو تناست أنها تحكم شعوب حرة بل أكثرها حرية وإن كان ذئاب الزمان ونوائبه قد إجتمعت عليها وأوهنتها إلى حين، إلا أنها لم تفت من عزيمتها التي يقول التاريخ عنها أنهم أقوام لو أرادو إزاحة الجبال الراسيات لأزاحوها . وأما العبرة فتقول “أن سنة التغيير الشيء الوحيد الذي لا يتغير” هذا طبعاُ إضافة إلى الكثير من العبر والدروس للأنظمة وشعوبها.

ولادة أمة جديدة: الشباب وزمام المبادرة

قناعتان كانتا تسودان لدى العديد من شعوب العرب ومن غير العرب كادتا تصلان إلى مستوى الحقيقة المطلقة تمكنت الثورات العربية من دحضهما: الأولى أن الأمة العربية أمة لا تثور بل لا تتململ مهما بلغ بها الظلم والطغيان؛ فهي امة قد إستمرأت الهوان والذل وبلغ بها الخوف ما لم يبلغ بأمة أخرى ، والثانية هي أن الشباب أقل فئات المجتمعات العربية إحساساً بالمسؤولية وأعجزهم عن المطالبة بالإصلاح وأقعدهم عن القيام بما يتطلبه ، لكن الشباب العربي فاجئوا الجميع ربما بما فيهم هم أنفسهم بتحركهم السلمي الذي كشف عن حس وطني ووعي سياسي وعزيمة وكياسة قل نظيرها ليس في العالم اليوم بل عبر الجغرافيا والتاريخ . لعل خوف الشعوب العربية ودعة شبابها كان قد أودى بأي أمل في بزوغ فجر الحرية على هذه البقعة من الأرض لدى عوام هذه الأمة وخواصها وشبابها وشيبها ورجالها ونساءها ، لكن إندلاع الثورات العربية وبهذه الصورة المتتابعة وكأن الشعوب العربية تقف صفا إنتظارا لمجيئ دورها في التحرك يشي بأننا نشهد مخاض ولادة أمة: أمة واحدة يسعى بذمتها أدناها وهي يد على من سواها، أمة شابة بأحلامها وطموحاتها وأفكارها.

كسر “حواجز” الخوف

لقد كشفت الثورات العربية أن الشعوب العربية كانت تعاني من خوف فريد في نوعه وفريد في تأثيره .. هو خوف “ذي ثلاث شعب”.. خوف متتعد الطبقات بعضها فوق بعض.. خوف له حواجز يشد بعضها بعضا فإن كسر حاجز تقدم اَخر يسد مكانه ويقوم مقامة ، فهناك الخوف من طغيان الأنظمة الحاكمة وبطشها وزبانيتها ومن عصى الأمن الغليطة والحمقاء ، إذ بلغت بعض الأنظمة العربية في تجبرها وطغيانها وكبرها جبروت النمرود وطغيان فرعون وكبر قارون, وهناك الخوف من البديل وهذا الخوف يتمثل في القناعات التي زرعت في أذهان العرب بمقولة الحجاج خيرٌ من أخيه” , وأخو الحجاح هنا هو القاعدة أو ما يعرف بجماعات الإسلام السياسي التي لا تؤمن بالتعددية ولا بالحوار وتحارب كل من يخالف رؤيتها وأطروحاتها وقبل هذا وذاك تحارب التقدم والتمدن والإستنارة وتريد أن تعود بالشعوب الى عصور الظلام والقرون الوسطى .

وقد انطلى هذا القول وهذه الإطروحة على الكثير من الناس للأسف الشديد بالرغم من أن التاريخ يقول أننا نحن المسلمين لا عصور ظلام ولا قرون وسطى لنا وأن هذه المقولة ما هي إلا مقولة “سِفاح” لا أب ولا أم لها في ديار المسلمين . وأخيراً هناك الخوف من المجهول والمتمثل في مقولة “شرٌ تعرفه خير من خير تجهله” . المتابع لخطاب من خُلع حتى الاًن ممن ساد العرب يستشف أن عقليات الطغاة العرب هي نفسها وكأن لها أب واحد وأم واحدة وهذه العقلية مبنية على فكرة “أنا الأمة والأمة أنا” وما للشعوب سواي إلا المجهول..فإما أنا أو لا شيء , واللاشيء هنا يشمل كل شيء بمعنى لا أمن ولا طعام، فالحاكم العربي يؤمن يقيناً أنه هو من أطعم شعبه من جوع واَمنهم من خوف .

ما تحركت الشعوب إلا بعد أن كسرت حواجز الخوف الثلاثة التي يكفي واحد منها لأن يبقي أشجع الشعوب تحت أسوأ الطغاة طول الدهر وعرضه ، لكنها الشعوب التي قال شاعرها “إذا الشعب يوما أراد الحياة……….” فقد كسرت حاجز الخوف من طغيان السلطة وحاجز الخوف من البديل “الإسلامي” وحاجز الخوف من المجهول وأثبتت أن التغير ممكن وأن تكلفته المادية والمعنوية يمكن تحملها.

الطغاة ضحايا أنفسهم

لعل أبرز ما يميز الطغاة هو الجهل الذي يرفلون فيه وذلك نتيجة إلى هالة الرعب التي يلفون بها أنفسهم والخوف الذي ينتاب الجميع مقربين ومبعدين من قول الحقيقة وخشيتهم على أنفسهم وعلى أحبائهم من فتك الطاغية إن هم واجهوه بالواقع الأليم الذي لن يروق له .

ومن هذا الجانب يتسم الوضع في الدول التي تحكمها أنظمة لا ديمقراطية بما يمكن تسميته بـ”نظرية الهرمين”: هرم السلطة وهرم المعرفة ، إذ يتكون النظام الحاكم من: أولاً هرم معدول (هرم السلطة) يتربع على قمته الطاغية كونه أكثر الناس سلطة وقوة، وثانياً هرم مقلوب (هرم المعرفة) يقبع الطاغية في قعره كونه أقل الناس معرفة عن واقع حال أمته وذلك بسبب طغيانه وخوف الاَخرين من مصارحته بحقيقته وحقيقة الوضع الذي يرزح تحت حكمه، ويكون بذلك الطاغية معزول فوق عرشه عن الواقع وهو بذلك يكون الطاغية نفسه أبرز ضحايا طغيانه، وهذا الجهل والإنفصال عن الواقع هو ما يودي بالنظام من خلال إزدياد أخطاءه ويودي به إلى نهايته بالثورة عليه.

ليس بالخبز تحيا ولا “بالأمن” تحكم الشعوب

نيتجة لفقدانها الشرعية التي تسوغ بقاءها وتضمن طاعة الناس لها غالباً ما تركن الأنظمة الشمولية اللاديمقراطية إلى إستخدام العصا والجزره أحدهما أو كلاهما ووضع الفرد المواطن بين الخوف والرجاء، الخوف من تسلط وبطش السلطان والرجاء في مكرماته وأعطياته ، فالشعوب عند الحاكم الطاغية حالها حال قطعان الماشية تطعم إن أحسنت وأطاعت وتضرب ظهورها إن أساءت وعصت وما هي إلا بطون تملء أو ظهور تجلد وهي بذلك لا تعقل ولا يجب أن تعقل ، لكن هذه النظرة كُسرت من قِبل الشعوب العربية ونقضت مقولة “أنه بالخبز تحيا الشعوبالتي تكاد تكون من المسلّم الذي لا جدال فيه وأثبتت أن الشعوب الحية لا تحيا بالخبز وحده ولا تحكم بالخوف ولا تساق كالقطعان وإن سكنت وإستكانت حتى حين ، لقد أثبتت أنها الحرية الحمراء التي قررت أن تدق بابها بالايادي المضرجة فلا غرو وهي ما قال شاعر اًخر من شعراءها “وللحرية الحمراء بابٌ………” .

ولقد أثبتت الثورات العربية لأنظمتها أن “عمرو” قد شب عن الطوق وأن عليها أن تعي الدرس وأن تصلِح بيدها قبل أن تُصلح بيد “عمرو“.

الواقع الإقليمي يتغير: ظهور محور ثالث وسقوط نظام (سايكس- بيكو)

المنطقة العربية وسكانها كانت دائماً عرضة للألقاب والمصطلحات التي تأتي من الخارج خاصة من الغرب ، فقد تم تقسيمنا إلى متطرفين ومعتدلين تقدميين ورجعيين وغيرها من المسميات ، كما كانت دائما ضحية تقسيمات وإصطفافات ليس للعرب دور فيها، ففي السابق كنا منقسمين أو مقسمين بين تيار “قومي تقدمييقوده الإتحاد السوفيتي السابق من خلال الأنظمة الجمهورية العربية وبين تيار “تقليدي رجعي” يقوده الغرب من خلال الأنظمة الملكية الوراثية العربية ، أما اليوم فالمنطقة مقسمة إلى “تيار إعتدال” يقاد من الغرب وينضوي تحت راية الولايات المتحدة “وتيار ممانعة أو مقاومة” يقاد من الشرق وينضوي تحت راية الملالي في إيران ، وقد يكون من أهم نتائج الثورات وحركات التحرر العربية هو بروز تيار ثالث تيار وطني حقيقي وعروبي خالص يمثل المنطقة وأهلها ويسعى لتحقيق مصالحهم ، تيار لا يخضع للغرب ولا يهادن إسرائيل ولا يعادي إيران ويرتبط بعلاقات حسنة مع تركيا وباكستان وباقي الدول في المنطقة ، تيار يرسم سياسته الخارجية إستناداً الى المصلحة العربية أولاً والمصلحة العربيةً اَخراً وهو ما قد يساعد على إعادة الإستقرار الى المنطقة بل قد يساعد على سقوط حدود سايكس بيكو المصطنعة والتي كرستها الإنظمة الدكتاتورية حماية لمكاسبها غير المشروعة وتنفيذاً للأجندة الغربية التي يأتي أمن إسرئيل في مقدمتها.


مفهوم جديد للشرعية: من الشرعية الخارجية إلى الشرعية الداخلية

في جميع أنحاء العالم وعلى مر العصور كانت الحكومات –حتى في ظل الأنظمة الشمولية- تستمد شرعيتها من الأفراد الذين تحكمهم أو هكذا تدعي على الأقل ، أما في منطقتنا العربية -التي كتب الله لها من كل هم نصيب- فلقد كانت الشرعية تستمد من الخارج ، بمعنى أن الأنظمة الحاكمة غالباً ما تستند في حكمها على تشابك المصالح بينها وبين القوى الدولية والإقليمية ، كما أنها كذلك أصبحت تستند إلى ما يعرف “بالشرعية الدولية” التي باتت تفرض على الحكومات في المنطقة –حتى تلك التي تصل إلى الحكم عن طريق صناديق الإقتراعأن تلتزم بمقررات المجتمع الدولي، أو بالأحرى ما تقرره القوى العظمى المهيمنة على المشهد الدولى ، وحتى بعد المبادرة الأمريكية في عام 2003 لنشر الديمقراطية في المنطقة التي كان ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، لأن الولايات المتحدة قد قررت في هذه المبادرة الخاوية أعطاء شعوب المنطقة حق التصويت، وليس حق إختيار حكوماتها، بمعنى أن الشعوب العربية تستطيع أن تصوت لكن عليها إختيار الحكومات التي تريدها الولايات المتحدة، وإن لم تفعل فإن الغرب قد أثبت –من خلال تجربة حماس- إنه على إستعداد أن يكسر كل الحواجز القانونية وحتى الأخلاقية –التي لا يملك منها الكثير على أية حال- إذا خرج أي من الشعوب العربية عن النص، لكن اليوم فقد أكدت الثورات العربية أن الشرعية الخارجية” الصادرة بفرمان أمريكي لن تغني عن الشرعية المستمدة من الشعوب والتي لن تمنح إلا للحكومات التي تعبر عن ضمير الأمة.

الأنظمة العربية و”بيت العنكبوت

لعل أبلغ درس للأنظمة والشعوب العربية على حد سواء يمكن إستخلاصه من ثورات العرب هو أن من يؤسس حكمه على الدعم الدولي والغربي على وجه الخصوص فهو كمثل العنكبوت في بيتها الذي لا يرد حر صيف ولا يقي برد شتاء [1]، فما سقط من أنظمة حتى الاَن تعتبر من أكثر الأنظمة العربية موالاة للغرب وإلتصاقاً بها من حيث الإديولوجيا والمصير ، وكذلك من أكثر أنظمة العرب إجتهاداً لحماية مصالح الولايات المتحدة المشروع منها وغير مشروع ومن أهمها في معادلة الولايات المتحدة الإقليمية بالإضافة إلى الكيان الإسرائيلي طبعاً .

لكن كل ذلك لم يشفع لهذه الأنظمة إذ كانت الولايات المتحدة أول من تخلى عنها وبطريقة مخزية بمجرد أن تعالت الأصوات في الداخل مطالبه برحيلها متذرعة بإحترام إرادة الشعوب في تقرير مصيرها من خلال إختيار من يحكمها .

لقد كان أسلوب القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة في تعاملها مع الأنظمة العربية التابعة لها دائما هو الضغط عليها وتخويفها إما من قوى المعارضة الداخلية أو القوى المنافسة الإقليمية وذلك لضمان ولائها وإجتهادها في لعب الدور المناط بها والمرسوم لها , هذا خلف الأبواب المغلقة أما في العلن فما تنفك من التصريح بمناسبة وبغير مناسبة أنها سوف “تدعم حلفاءها” مهما كانت الظروف وهاهي الظروف قد تكالبت على الحلفاء فما كان من الحليف القوي إلا أن قلب ظهر المجن لحلفاء الأمس، مطالباَ بكل صفاقة ووقاحة بتحقيق مطالب الجماهير الغاضبة التي لولا المصالح الأمريكية ما تم إغضابها وإستعدائها من قبل هذه الأنظمة البائسة.


أين نحن من كل هذا؟؟؟

الاَن بعد أن أرتنا بعض الشعوب العربية من نفسها ما رأينا يطرح التساؤل نفسه: ما الرسالة التي وصلت وماذا نحن فاعلون حكومة وشعباُ ؟

بالنسبة للحكومة فإني لا أستطيع أن أتحدث بإسمها، لكني سأتحدث بصفتى أحد أفراد الشعب، يهمه ما يهمهم ، ويألمه ما يألمهم، ويفرحه ما يفرحهم، ومن هذا المنطلق أقول لهم إن كان التاريخ قد كُتب من قِبل غيرنا فإن أقلام الحاضر بإيدينا نكتب بها مستقبلنا ومستقبل أحفادنا . كما أقول إن ما سيحدد واقع الأمة في المستقبل هو سقف مطالبها اليوم هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى فأني سأتحدث كذلك كمواطن يريد أن تكون حكومته أكثر تمثيلاً له وأكثر إلتصاقاً به وأقول لها وللقائمين على شأنها:


المعادلة السياسية يجب أن تتغير:

المعادلة التي تقوم على مثلث الأمن والثروة والدعم الخارجي لتحقيق إستقرار النظام الحاكم والتي سادت في الدولة وباقي دول الخليج لردح من الزمان يجب أن تتغير [2]، فلا الأمن أو بالأحرى التخويف بجهاز الأمن ولا الثروة والأعطيات ولا الدعم الأجنبي قادر على ضمان إستقرار الحكم خاصة الحكم غير العادل:

أولاً “الأمن” : فالتلويح بالعصى الغليظة لأجهزة الأمن، بل وحتى إستخدامها لم يغن عن الأنظمة العربية التي سقطت من الله ومن شعوبها شيئاَ .

إن تحويل الدولة إلى دولة بوليسية من خلال إطلاق يد الأجهزة الأمنية في البلاد لمطاردة المواطنين ومحاربتهم في أقوات عيالهم إستناداً إلى توجهاتهم الفكرية لن يمنع أي مشكلة أمنية بل قد يخلق مشكلة أمنية الكل في غنى عنها ، كما إن إختطاف منابر الجمعة التي هي ملك لكل المواطنين بل لكل المسلمين على أرض الدولة ومحاولة إستغلالها بصورة فجة لمحاربة فكر معين أونشر فكر اَخر مضاد قد لا يأتي إلا بنتائج عكسية ولكم ولنا في تونس ومصر خير عبرة ودليل ولن أقول أكثر.

ثانياً “الثروة” أو الوفرة : ساد إعتقاد في هذا الجزء من العالم وما يزال أن الرفاهية قد تكون بديلاً عن الحرية وأن توفير الرخاء الإقتصادي قد يغني عن الإصلاح السياسي، ولقد تجلت هذه الإطروحة والإعتقاد في ردة فعل الحكومات الخليجية على الإنتفاضات التي إنتابت الشعوب العربية والحراك الشعبي الذي إجتاح العالم العربي من مغربه إلى مشرقة مطالباً بالحرية والحرية فحسب ، فقد تعاملت الحكومات الخليجية مع إمكانية إنتقال حمى الإحتجاجات الشعبية إلى دولها عن طريق تخصيص عشرات المليارات لتحسين الأوضاع الإجتماعية وتوفير الوظائف ومن خلال المزيد من الإنفاق على خدمات الإسكان والتعليم وكذلك بالإعلان عن المزيد من “المكرمات والأٌعطياتمفترضة أن مواطنيهم ليسوا كباقي العرب، ولا كباقي البشر تمثل لهم الحرية حاجة لا تقل أهمية عن الحاجات المادية الأخرى، لذلك فإن إستخدام جزرة الوفرة قد لا يؤدي إلا إلى تأخير الإصلاح والتغيير الذي سيأتي إن عاجلا أو اَجلاَ وبمجرد إنحسار الوفرة المالية المعتمدة على عوائد النفط الزائلة وربما قبل ذلك ، لذا يجب على الأنطمة الخليجية إستغلال الفرصة والإسراع في إجراء إصلاح حقيقي يضمن إستقرار دولها ورخاء شعوبها وقبل هذا وذاك إستمرار حكمها.


ثالثاً “الدعم الأجنبي” : وأما التحالف والدعم الأجنبي فإنه لا يمكن التعويل عليه، لأنه تحالف مصطنع ودعم مشروط يدور مع المصلحة وجوداً وعدماً. والمصحلة هنا ليست مصلحة البلاد أو الشعب أو حتى النظام الحاكم بل هي مصلحة الطرف الأخر، لأنه وللأسف الشديد صاحب اليد العليا في هذه المعادلة، وكما يقال “اليد العليا خير من اليد السفلى” . وصاحب اليد العيا في هذه المعادلة من ناحية أخرى عدو بيِّن للإسلام والمسلمين لا يكترث حتى بإخفاء هذه العداوة ومن هذا المنطلق فإن مصلحته العليا لا تتحقق إلى بهزيمة الإسلام والقضاء على المسلمين ولنا في حربي العراق وأفغانستان خير دليل, ومن يواليهم من المسلمين يأخذ حكمهم في عداوة المسلمين إن لم يكن حكمهم فيما وراء ذلك [3]. هذا إضافة إلى أن هذا التحالف مآله إلى الزوال مخلفاً الحسرة لصاحبه ولعل تخلي الولايات المتحدة عن أكبر حلفائها واكثرها أهمية في الشرق الأوسط بل وفي العالم وبالطريقة المذلة التي قامت الولايات المتحدة بالتخلي عنهم يبعث بالرسالة المناسبة وفي الوقت المناسب لجميع الأنظمة العربية التي قررت وضع بيض شرعيتها وبقاءها في السلة الأمريكية التي تبين أنها سلة مثقوبة لا تحفظ ما بها.


النموذج الإقتصادي يجب أن يتغير

أن النموذج الذي تم تبنيه في الدولة لتنويع مصادر الدخل القومي وتقليل الإعتماد على النفط ولتحقيق التنمية الإقتصادية المستدامة ليس نموذج إقتصادي والتنمية الإقتصادية منه براء وما هو إلا وسلية لتحقيق بعض المصالح الخاصة الضيقة . وإلا أين التنمية الإقتصادية المستدامة في بيع البلد من قبل من لا يملك ولمن يدفع ؟ وأين التنمية المستدامة في تأسيس شركات…هي شركات خاصة عندما تحقق الأرباح وتتحول إلى شركات حكومية عامة عندما تتراكم عليها الديون ؟ وإين التنمية في مراكمة الديون لبناء ما لا نحتاج إليه ولمجرد أن يكون عندنا الأكبر والأطول والأسرع ؟ وأين التنمية في منح الشركات الأجنبية كل التسهيلات دون أن توظف مواطن واحد أو أن تساهم في الإقتصاد الوطني بدرهم واحد ؟ وأين التنيمة في التزاوج بين السلطة والتجارة وتحول الحكام إلى تجار يزاحمون الناس في الأسواق ويستخدمون سلطة القانون لترويج تجارتهم ؟ وأين التنمية في إقامة الشركات الحكومية التي لا تخضع لأي رقابة عامة كانت أوخاصة والتي تحقق الخسائر تلو الخسائر وتراكم الديون فوق الديون ؟ وأين التنمية في طوفان العمالة الأجنبية الذي إجتاح البلد ليأتي كل من عجز عن الحصول على أي عمل له في بلاده ليعمل بأعلى المرتبات في حين تعاني العمالة الوطنية من بطالة متفاقمة بدعوى سوء التأهيل وقلة الخبرة ؟ وأين التنمية في حالات الفساد الإداري والمالي التي إنتشرت وتفاقتمت والتي أصبح الكشف عنها من الأمور الإعتيادية التي لا تثير الغضب أو حتى مجرد الإستهجان ؟ وأين التنمية الإقتصادية في تحويل الدولة إلى قبلة للفاسدين وملاذاً لسُّراق الشعوب من رؤساء ووزراء يهربون أموال الشعوب المنهوبة إليها ؟ أين التنمية في الغلاء الذي إستشرى وحول نسبة كبيرة من المواطنين إلى فقراء في بلد الغنى والإغنياء ؟ إن ما يعتبر زوراُ أو جهلاً تنمية إقتصادية ما هو إلا هدم للدولة وأركانها وتبديداً لثرواتها المادية والبشرية وربما إستعجالاً لثورة شعوبها…وَاَخِرُ دَعْوانا أَنْ الْحَمْدُ للهِ رَبِ الْعالَمينْ.
——

المصدر: دار السلام – 1 ابريل 2011

 

Advertisements

About المحامي سالم حمدون الشحي

Lawyer
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s