جبال قديمة في قبضة الريح ، لأحمد منصور

خور ال “شم”: جبال قديمة في قبضة الريح

كتبها : الأديب الاماراتي أحمد منصور الشحي ، في 19 مايو 2008 الساعة: 04:11 ص

لم أكن قد خططت لاستفاقة كهذه؛ فقد جاءت هكذا كصباح يحمل شمسا بيديه. أيقظتني الريح التي تسللت الى غرفتي خلسة عبر الشرفة، استفاقت مبكرا كما يبدو وضجرت من وحدتها فأخذت توقظ الأشياء من حولها.

عندما وصلت الى هذا المكان في الليلة الفائتة، كان الليل قد مر بعتمته واصطحبها معه، فلم ألحظ تفاصيل المكان. في هذا الصباح المبكر، أيقظتني الريح وأطل البحر على غرفتي من الشرفة ذاتها، فألقيت عليه تحية الصباح، ودعوته لتناول القهوة في غرفتي. كان متمددا هو الآخر قبل الريح، وكانت الجبال تلفه بصلابة كمحجر عين. الريح لم تستقر في غرفتي، تركتني بصحبة البحر وأخذت تلهو وتتسلل الى الغرف المجاورة؛ كاشفة عورة الأشياء ومستأنسة بالوحشة الباكرة.

لقد مررت يوما من هنا، ووصلت الى النقطة هذه؛ “خصب”،2 المدينة القريبة من مضيق المتاعب، عبر قارب خشبي صغير قبل ما يقارب العقدين والنصف، آنذاك، لم ألحظ ان الماء هو صفة الاشياء وان السكينة وردة برية خالصة، كل ما أذكره؛ طفل صغير يتسمر واقفا على صدر قارب خشبي ويرى في نفسه قبطان البحر الاوحد!

هذا الشعور ذاته، دفعني للمجازفة مجددا، لكن على مركب خشبي من مراكب القرن الجديد.

على الباخرة المتمرسة على الماء، جلسنا أنا وصاحبي والآخرون. كل اختار بقعته، واخترت الجلوس قرب القبطان في الأعلى قرب القمرة. تحركت السفينة برشاقة طائر خشبي في مدار الريح، رافقتنا فضة الماء وزخرفة الجبال وبعض الدلافين. لا ضجيج ولا شوائب في الهواء، طائرنا الخشبي وحده كان ينفض الدخان عن أعماقه ويصدر هديرا فاترا كلما توجس حيرة الاشياء من حوله. بعض الركاب أخذوا بإغراء الشمس لمداعبة أجسادهم بفركها بمواد لها مذاق العشق المبجل. أنا، أخذت أراقب الأشجار التي اعتلت قمم الجبال وأطلت كتمائم تحرس البحر وتوجه انعكاسه الى السماء.

 

سماء قريبة

 

كلما ابتعدنا اقتربت الجبال ولانت الريح وتحولت الفضة إلى قشور ذهبية على السطح. جبال كثيرة ظهرت فجأة في المكان؛ جبال توشك على القيام بأعمالها اليومية؛ بينما استحم بعضها في الماء، أخذت صخور تتوثب للقفز لتهرش لهب الشمس اللذيذ على أجسادها. في هذه الأثناء، انفلت قارب صغير من بطن مركبنا وارتطم مسرعا بالأفق.. مركبنا لم يلتفت، أشعل موسيقا جبال الأنديز، ومضى هو الآخر مسرعا في اتجاه الجبال الكثيفة في الأمام؛ كانت الموسيقا المملوءة بالإصرار تدفع المركب دفعا للارتقاء فوق الجبال، إلا أن الجبال كانت كل مرة تتفادانا بحنو شاهق كما لو أننا في سفينة موسى.

صاحبي المغرم بالتصوير، أضرم عدساته في الكون وأخذ يسجل التكوين؛ حيث في نظره، لا يوجد ما هو أكثر أمنا للاحتفاظ بالأماكن والأشياء من خزانة آلته السحرية الصغيرة. وللتمادي في إبهاره، تنفس البحر بعض النوارس والدلافين؛ النوارس أخذت تحلق عاليا ثم امتزجت بالسحاب وأخذت تتوجه ناحية الأفق، أما الدلافين فأخذت تلعق الذهب، نورسان فقط أخذا يحرسان مركبنا من الجانبين.

 

قطعة سكر في محيط

 

اقتربنا كثيرا من جبل كان هنالك قبل وصولنا، الموسيقا أصبحت أكثر ودا، والمركب أكثر رقة في دحر خزف الماء عن جوانبه. أسنان الجبل كانت تحك جلد الريح في الأعلى، وأقدامه كانت تمسد قاع البحر في الأسفل. جدير بكل شيء أن يستقر هنا؛ حيث الروح تذوب في الأشياء كقطعة سكر في محيط.

اقتربنا أكثر، والتقينا بقرية صغيرة بنى الجبل فيها بعض المنازل من عظامه وأهداها للسكان؛ أولائك الذين قرضتهم الحياة فتناسلوا كمجرة اهتزت فسقطت نجومها في العراء البعيد.

 سكان ربطهم البحر بفورته وعذوبته و ملوحته وحلمه الكبير في التمدد أبعد من الشطآن، سكان استأنس البحر بأحاديثهم ومداعباتهم الليلية والتهم دموعهم على شواطئ الأحبة الذين رحلوا، سكان أشعلوا البحر بقلوبهم الدافئة و فوانيسهم بحثا عن الغائبين الذين أخذتهم غواية مطاردة الأسماك في القيعان السحيقة منذ أزمان، سكان وجد البحر من أجلهم، لكنهم لما أتعبتهم الرجة اليومية تجرأوا على حفر دموعهم على صخور الجبال ورحلوا كنساك قبعوا طويلا في أديرتهم.

رقصة الصياد

  

صيادون بقوارب صغيرة ظهروا فجأة من شج في الجبل، بدوا كمن يطارد زفرة في الماء، لكنهم سرعان ما ألقوا شراكهم في الماء وأخذوا كالبرابرة يرقصون على أسطح القوارب، أشعلوا موسيقا اقدامهم على الخشب لإغراء عنب البحر بالتدلي، والأسماك بالرقص الحذر، تجلوا، رقصوا كي تفر الريح الى الكهوف المجاورة وتختبئ الشمس خلف الغيوم، رقصوا كي لا تلف القارب وحشة الغياب، رقصوا لزرقة الماء الأزلية، رقصوا للقرون الموغلة في جباههم، ولما تأتى لهم ذلك، أخذوا يفتلون أذرعتهم الممتدة في الماء ويقطفون منها العنب والأسماك وبعض الموت الذي اندس كعتمة في صندوق الذاكرة. بعضنا لوح لذلك المشهد، وبعضنا صوره، اما أنا، فأخذت أراقب مركبا آخر أخذ يجر جبلا من أنفه الى ان أوصله الى منتصف الماء تقريبا، بينما على ضفاف الجبل المقابل، تأهبت صخور كثيرة للقفز في الماء.

ماء يستحم بالشمس

 

مضى المركب الذي يعرف طريقه جيدا منزلقا على الماء بينما دخانه الأسود ما زال يتسلق الهواء الى الاعلى و أفقيا الى أنفي، أغرتني أشعة انبعثت من قاع الماء فجأة فاقتربت من حافة المركب وعاينت الماء والشعاع؛ كانت ثمة شمس تشرق من أسفل البحر، غيوم كثيرة كانت هناك أيضا؛ هل كان ذلك سر الماء أم فتنته؟ لم أبال كثيرا بتتبع شغف السؤال، لكن ذلك الشغف نبهني الى ما كان يمكن ألا أرى؛ الى الجبل الذي تشبت بشجرة تدلّت كمسبحة ناحية الماء، إلى القارب الصغير الذي أغوته الحجارة فاستلقى عليه الى أن جفت أقدامه وتآكلت، الى النوارس التي أخذت ترقص رقصة التنين، إلى الجبلين اللذين تحركا نحو بعضهما بتؤدة مطلقة، إلى الموجة التي انقضت على صخرة فانفلشت كزكاجة هشة في الريح، إلى الحجارة التي احتفظت بثلج البحر على شفاهها وتنهدت، إلى الجبل الأحدب المتكئ على صخرة صغيرة تئن أوصالها في الماء، إلى الجبل الذي ولد صخرة للتو بعد مخاض عنيف، إلى نوافذ الجبال المسمطة وإلى انسدال ستائر الحجارة على الواجهات، الى صفحات الجبال المنقوشة بكلمات الريح وإلى الصخور الملونة برشقات فراشات البحر البيضاء، إلى الجبل الذي علق قناعا بوذيا على وجهه، إلى ثعابين الماء السابحة كإشارات لاسلكية في الاثير، إلى الكائنات الملونة الصغيرة الهاربة من معمل فنان في لجة المحيطات القصية، إلى الفزاعة المنصوبة على رابية صخرية كي لا يقترب البحر أكثر، إلى الحوت المعدني الذي لمع فجأة عابرا الأجواء بين السحاب، إلى جاري الذي أخذ يراقب بشراهة الملح المتكلس على الأجساد المستلقية على المركب تحت الشمس، إلى صاحبي الذي يمج سيجارة مستدعيا ألق صباه في القارة العجوز.

 

ابن البيئة

 

صوت المحرك الذي أخذ يتهادى بوتيرة منخفضة نبهني الى قرب توقف المركب ظهرا للغداء وما يلزم، توقفنا، وتوقفت معنا بعض الجبال، بعضها يراقبنا، ونحن نراقب بعضها؛ أحدها أقترب منا بشكل كبير وكاد يرتطم بمركبنا لولا تنبه أبناء البيئة الذين رافقونا خلال الرحلة، دفعوا الجبل قليلا إلى الوراء. أجساد كثيرة قفزت في الماء وبدأت تسبح كأسماك اصطناعية بأنوف بلاستيكية طويلة تمتد الى الخارج.

ابن البيئة كان يراقب عن كثب و بصمت مطبق أولئك الذين يقفزون إلى الماء، متصنعين حركات بهلوانية، شيء من الحنو كان يعتمر في داخله وهو يراقب تلك القفزات غير المتقنة في تجاويف الهواء باتجاه البحر، لكنه، بعد برهة، كوم صمته جانبا، تخلى عن دور المراقب، صعد أعلى قمة في المركب وقفز بحركة بهلوانية ساحرة الى الماء، قفز، مستعرضا ألفته للمكان، ذهب عميقا الى أن قبل وجنات القاع، ثم انساب برشاقة الى السطح، وما أن اقترب قنديل البحر اللاذع من ظهره حتى تنبه الجمع المراقب من أعلى المركب لذلك ونبهوه مرتبكين متوجسين، لكنه، بهدوء التفت إليهم، ابتسم، وحمل القنديل بيده، كاد يقبله ثم أطلقه يسبح بهدوء باتجاه السماء. الجميع أصيب بالدهشة من ابن البيئة ذاك الذي طفق يسبح ويغطس برشاقة بادية في الماء كما لو أنه تمساح نزل توا من أقاصي الجبال.

 

التحليق في الريح

 

حان وقت التحرك والعودة بعد ان تآلفنا مع المكان ودوّت نزوات المكوث فينا، لكننا عابرون فقط، نؤرجح غواية النفس على أجمات الأمل باقتراف شيء من حياة. المركب تحرك، ومعه تحركت الريح وزفرات الماء، بدأنا نتداعى في اتجاه المرفأ الذي تنوخ فيه المراكب المتعبة من الرحيل. بدأ ضجر البحر يزداد قليلا كلما أوغلنا في العراء.

الريح التي تركتها تلهو بالقرب من غرفتي، وصلت إلينا مقطبة الجبين هي الأخرى فأوغرت سكينة الماء علينا، وأغرت النورسين اللذين خرجا من الماء مجددا لصحبتنا. أغرتهما، للتغلغل في انعكاس الأشعة على الماء ثم التلاشي.

الجبال التي ظنناها ستلحق بنا، تسمرت جامدة في مكانها، بينما نحن نبتعد مقتفين أثرنا على الماء، نستلهم إشارات البيئة من حولنا؛ موقنين بأنها بوصلة الحدس الأهم لأقدامنا. صاحبي، في هذه الأثناء، أخذ يطارد قبعته التي لم ترغب في أن تستقر على رأسه طويلا وحاولت التحليق مرارا في الريح. كنت أحسبها في كل مرة ستفعل؛ لولا خبرات صاحبي في وجهات قبعته وقفزاته المتقنة للقبض عليها وشل حركتها؛ الظاهر أن له مراساً طويلاً في التعامل مع محاولات قبعته للطيران بعيدا عن الذاكرة.

بعض الجلود المنذورة للشمس كساها بعض اللباس بينما بقي بعضها مصرّا، في محاولات أخيرة، على تخزين الأشعة في الجسد.

القوراب البعيدة، التي تنأى عند كل رمشة عين، أضحت كفاصلة صغيرة بين شظايا الماء الذي تعبث به الريح، وبرزت الجبال كشواهد مهملة لجبابرة كونيين.

 

حنين مجروح

 

 كان أسى الرحيل يرسل حرابه ناحية الحنين في داخلي، وقفت واجما باتجاه تلك الشواهد وقد أطلقت سراح تحيتي الأخيرة ليوم سيبقى عالقا في الذاكرة وربما لسنوات مقبلة كتلك التي علقت في ذاكرة القبطان الصغير؛ آنذاك، كان يعبر البحر مخترقا الريح بصدره الطري، وبرغبته الوارفة مقلما أظافر الخوف المدببة، بينما هو يوارب غبطة الالتحام بالماء، تاركا نظرته تحدق بعيدا في السديم. ها هو يعبر الماء اليوم مجددا، السديم هو السديم، لكن القوافل أربكتها السنون فتلاشت دعة المحبة منها. ها هو يقف مجددا قبالة الريح، روحه عارية كما كانت، والريح هي الريح، لا يفصل بيننا سوانا، ولما انقشعت غمة المسافة عني، حسبتني الريح وصار الزمن قبضة في يد الريح، وصارت الريح مني، ماريت الجبال بألفة، ونزعت الصخر من أجفانها عندما بكيت، اجترحت خطيئة تحفيز ذاكرة قديمة؛ فها أنا أرى زرقة الماء في داخلي، وشموسا تشتعل في محجري؛ ذلك ما يحدث لي على الدوام عندما أجازف في نبش ذاكرتي المخبأة في العدم.

 

عتبة الوصول

 

الآن، وقد اكتمل الأسى ووصلنا الى مرفئنا الذي أبحرنا منه وانطلقت لواعج سنوات أثيرة معه، حملت معي حفنة ماء، وضأت بها روحي وخبّأت عطرها في صدري، عدت بعدها إلى نزلي؛ حيث كنت على يقين بأني سأحلم بتلك العودة الأبدية إلى الذات؛ كما كان يحلم شيخ هيمنجواي بشطآن إفريقيا الذهبية والأسود السارحة عليها “كقطط صغيرة تلعب في الغسق” ترى، هل كان كل ذلك غواية؟ أم أن النسغ الذي احتويناه في دواخلنا وجد ثقبه الضائع هناك فأفرد جناحيه متهاديا عبر ذلك الأوقيانوس الأزلي؟

 

أحمد منصور*

 شاعر وكاتب من الإمارات

Advertisements

About المحامي سالم حمدون الشحي

Lawyer
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s